مجموعة مؤلفين
113
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
الأزلي الأعظم اتجاها كليا . . . كل هذا تفعله صحبة الرسول إذا صادفت استعدادا واعيا كافيا في نفس الصحابي . ولكن ما ذا نقول إذا كان ذلك الصحابي - بعد وفاة الرسول - أسلس لنفسه العنان ، فتقحمت به في مسارب الشهوات الدنيوية . . . فعمل على تمزيق الوحدة الإسلامية ، وأزهق مئات الألوف من النفوس المؤمنة البريئة ، طمعا بمنصب ملك جائر ، ولم تردعه من الذكر الحكيم عظة زاجرة ألا نقول إن صحبة الرسول لم تصادف عند هذا الصحابي استعدادا وافيا ( 1 ) أم نقول كما يقول الأكثرون من مقلدي المؤرخين - كان من صحابة الرسول - ومعنى ذلك أن نضعه في فردوس من التمجيد ، والتقديس ، لا يسمو إليها ، نقد ، ولو خرج عن حكم القرآن ، وعبث بسنة الرسول ، وخالف رأي جماعة المسلمين . إن المؤرخ ذا البصيرة الحية الناقدة ، وإن الحق الصراح ، وإن العقل المتحرر الممحص لا يقرون شيئا من هذا . وبعد : فقد آن أن نسأل التاريخ عن حياة هؤلاء الصحابة الذين تعرض لهم الإمام بعد وفاة الرسول : هل كانت حياة وحي ورسالة أم كانت حياة دنيا طماعة ، وأنانية متوثبة ، وسياسة ما كرة غدارة ، متجبرة ، شهوانية إن جواب التاريخ نور باهر يكشف عن كل دقيقة من سيرة حياتهم ، لا يكاد يغادر صغيرة منها ولا كبيرة إلا أحصاها . التاريخ يجيبنا : إن طلحة والزبير بايعا عليا ، ثم أتياه بعد فراغ البيعة فقالا : هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين قال علي : نعم ، على السمع والطاعة ، وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان . فقالا : بايعناك على أنا شريكاك في الامر . فقال علي : لا ، ولكنكما شريكان في القول والاستقامة والإعانة على العجز والأود . فلما استبان لهما أن عليا غير موليهما
--> ( 1 ) جاء في صحيح مسلم - الجزء الثامن ، صفحة ( 157 ) مطبوعات مكتبة محمد على صبيح وأولاده ، بميدان الأزهر الشريف عن ابن عباس أن رسول اللهّ قال : « ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ، ألا ، وأنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا رب . أصحابي . فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد . إن تعذبهم فإنهم عبادك وان تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم » قال : فيقال لي : إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم » وفي حديث وكيع ومعاذ ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك » وروى ذلك صحيح البخاري في الجزء الرابع صفحة ( 169 ) باب قوله تعالى : واتخذ اللهّ إبراهيم خليلا . . . أو في الصفحة ( 204 ) في أواخر باب : واذكر في الكتاب مريم »